لماذا نحن أعداء؟ لعلَّ من المنطقي أن نبدأ بالتساؤل عن بداية الخلافات وأسبابها أولًا، ولعلَّ من المنطقي كذلك أن نقول إن البيئة القائمة هي أساس هذه الخلافات، فالاصطفاف خلف مدارس فكرية والتحزُّب والتفرُّق إلى تنظيمات مختلفة واعية أو غير واعية، هي عوامل رئيسة لتغذية المشاعر السلبية ونشوء الخلافات بين كل هذه الفرق. إضافةً إلى ذلك، فغياب العدل من أهم أسباب تفاقم الخلافات، والمقصود بالعدل هنا هو العدل على كل المستويات، كما جاء في قول ابن تيمية: "إن العدل واجب من كل أحد، على كل أحد، في كل ظرف وكل مكان وحال، والظلم محرَّم من كل أحد، على كل أحد، في كل ظرف وكل مكان وحال." كذلك فالكبر والتمسك بالرأي رغم اتضاح الخطأ من العوامل المؤثرة كذلك، وقد كان بعض الحكماء يقول: "ما اكتسبت البغضاء بمثل الكبر"، والتعصُّب الأعمى المفرط مصحوبًا بقلة الخبرة في الحياة وضعف المعرفة بالسنن الإلهية والنواميس الكونية يفضي في النهاية إلى الخلافات الشديدة والنزاعات. ومن صور هذا الكبر أيضًا: أن يمنح المرء لنفسه صك الولاية على الآخرين بينما جاء في الحديث: "إن أمتي مرحومة، ليس عليها في الآخرة عذاب إنما عذابها في الدنيا بالزلازل والقتل والفتن"، وبينما لا يؤاخذ صاحب الخطأ بخطئه إذا وقع اجتهادًا وكان مقصوده اتباع الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وهذا من الحقائق الشرعية. أما حديثًا فمن أهم أسباب الفتنة هو الإعلام، فقد أصبح العوام يخوضون في اللغو عن غير علم، وأصبح الصمت حيال أمر ما أو الوقوف على الحياد منه حتى اتضاح الرؤية يصوَّر كضعف من نوع ما، أيًّا كانت المسألة الخلافية سواء فكرية أو فقهية أو سياسية.