عدم التدخل في شؤون الآخرين أمر بدهي إن كل ما أمرنا به الإسلام أمرت به الديانة المسيحية كذلك، إذ كُتب في آخر آية في رسالة يعقوب الرسول: "فَلْيَعْلَمْ أَنَّ مَنْ رَدَّ خَاطِئًا عَنْ ضَلَالِ طَرِيقِهِ يُخَلِّصُ نَفْسًا مِنَ المَوْتِ، وَيَسْتُرُ كَثْرَةً مِنَ الْخَطَايَا"، أي إن فضل النصيحة موجود في المسيحية وذُكر معه كذلك خطر الإدانة، أي وصم الآخرين بذنوبهم، فيمكنك أن تنصح غيرك لكن من دون أن تدينه. وبوجه عام لا يعترض الكاتب بذلك على نصح الناس بعضهم بعضًا في المطلق، لكنه يُريد أن ننصح الآخرين ما دمنا نلتزم بشروط النصيحة وأسلوبها الصحيح كما ذكرنا، وأي شيء دونًا عن ذلك يُعد من قبيل قلة الذوق والأدب. كما أن عدم التدخل في حياة الآخرين ليس فرضًا دينيًّا فقط، بل إنه فرض إنساني، فالأصل في الحياة الحرية، حرية القول والفعل ما دام لا يصطدم بحرية الآخرين أو يؤذيهم، ويبقى السؤال: ما دام الإنسان يريد أن يعيش حرًّا ويمارس حريته في ما يخصه، لماذا يحلو للبعض أن يدس أنفه في حياة هذا الإنسان ويحدد له أفكاره ومعتقداته ويتوعده بالويل إذا لم يمتثل له؟ ألا يستحق أن نقول لهذا الشخص "إنت ما لك؟"؟ في كتاب "الأخلاق" الذي كان مُقررًا للمدارس الثانوية في الأربعينيات، يقول المؤلفان أحمد أمين بك وأمين مرسي قِنديل: "ميّز الله الإنسان بالعقل والتفكير، فهو حر مطلق الحرية في أن يفكر في ما يشاء، ولكن ليس المقصود بحرية التفكير مجرد إعمال العقل والبحث عن الحقيقة وتكوين رأي خاص، وإنما المقصود بحرية الرأي أن يكون الإنسان حرًّا في التعبير عن فكره وآرائه"، والأمر لا يحتاج إلى كل هذه الإثباتات، فعدم التدخل ليس واجبًا دينيًّا أو أخلاقيًّا فقط، وإنما هو واجب حياتي يحث عليه كل مُتخصصي العلاقات الإنسانية، والتنمية الذاتية، وفنون التعامل مع الناس، حتى إن بعض الناس عدّوا هذا الجدل والرغبة في تسفيه الآخرين من الوصفات المُجَّربة لخلق الأعداء.