صناعة العدو اختيارًا سياسيًّا ظهر القانون الدولي بالتوازي مع ظهور العلاقات الدولية الحديثة، إذ تعد الدول الحديثة كيانات سياسية ذات سيادة وحدود معترف بها، وغالبًا ما تنشأ النزاعات الدولية نتيجة الخلافات حول الحدود أو وجود دولة معينة، ومن هنا تنشأ مسائل قانون الحرب الأساسية، وتتمثل في تعريف الحرب، وتحديد وضع العدو. وتُعرَّف الحرب بأنها نزاع بين دولتين تمتلكان جيوشًا نظامية، وتُفعَّل من خلال إعلان رسمي يسبق بدء الأعمال العدائية، وخلال الحرب يُعفى الجندي من المسؤولية عن الأشخاص الذين يُقتلون داخل حدود النزاع، مع تطبيق اتفاقيات جنيف لعام 1949م على المتحاربين لحماية الجنود وأسرى الحرب. ولتجنب الصراعات وتداعياتها، تستخدم بعض الدول تقنيات النأي بالنفس التي تتمثل في وصف الطرف الآخر في النزاع بأنه إرهابي أو ثائر أو متمرد، مما يقلل من حقوقه القانونية لمحو هويته القانونية. وقد أطلقت الولايات المتحدة الأمريكية مصطلح "المحارب غير الشرعي" على المدنيين الحاملين للسلاح من غير العسكريين بهدف تبرير ممارسات الاعتقال التعسفي والتعذيب، ولتجنب مسؤولية اتفاقيات جنيف، ابتكرت بعض الدول مفهوم "الحرب على الإرهاب" على اعتبار أنها ليست حربًا ضد دولة، مما يجعل اتفاقيات جنيف غير فعالة في هذا الإطار. أما تعريف العدو فيتخذ منحًى اجتماعيًّا بالدرجة الأولى، إذ يُصنَّع ليَفِي ببعض الاحتياجات الاجتماعية، وتبرير استخدام العنف ضده بشكل شرعي مبرر، كما يعمل وجود العدو على تعزيز الانتماء والتماسك داخل المجتمعات، فمثلًا تحتاج اليونان إلى تعريف للعدو يتجسد في تركيا، كما تستخدم باكستان التصعيد ضد الهند لتجنب الصراعات الأهلية، وتحافظ إسرائيل على بقائها ووجودها من خلال الاعتداء المستمر على الفلسطينيين داخليًّا، والصراع مع دول الشرق الأوسط خارجيًّا، وفي نصف الكرة الشمالي يشجع الغرب على ثقافة الخوف والقلق ليعزّز ازدهاره، ولهذا ابتكرت دوله "مبدأ الحيطة"، الذي أدى إلى توطيد حالة من القلق والخوف الجماعي تجاه التهديدات المتنوعة، مثل تهديدات الجنوب العالمي، والإرهاب الإسلامي، والانتشار النووي. ولا تُصاغ صورة العدو من خلال تحليلات رصينة، بل من خلال وسائل الإعلام والسينما، وفي هذا السياق يُصوَّر العدو رجلًا شريرًا مكسيكيًّا، أو تاجر مخدرات كولومبيًّا، أو جاسوسًا روسيًّا، أو إرهابيًّا متطرفًا إسلاميًّا، وفي الغالب يكون اختيار العدو خيارًا سياسيًّا قبل كل شيء، فمثلًا تُعد إيران مصدر "الشر" بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، على الرغم من أنها أقل إرهابًا من بعض الدول الأخرى، ولا تُعد مصدرًا رئيسًا للجماعات الإرهابية، وأقل إسلامية من المملكة العربية السعودية.