الهجرة في زمن العولمة تأثير العولمة في شكل الهجرة ودوافعها بالغ في تمزيق الثقافة القومية للدولة، وقد مرَّت الهجرة بأطوار ثلاثة: هجرة الفائض السكاني في أوروبا (مع بداية عصر التحديث) إلى الأراضي الفارغة (التي يمكن تجاهل سكانها أو إبادتهم)، وهجرة خلال الحقبة الإمبريالية للنخبة المتعلمة في البلاد المستعمَرة إلى بلاد أوروبا لتحقيق الاندماج مع النموذج الأوروبي الأوحد للعالم آنذاك، والهجرة في طورها الأخير حسب التوزيع العولمي لمصادر الثروة، وهي خير تمثيل لعصر الشتات والتخبُّط في فخاخ الجنسية المزدوجة والولاء المزدوج؛ فتجد شارعًا واحدًا في لندن تستوطنه جماعات كثيرة متباينة في الثقافة واللغة والعادات، وترى انفصامًا بين الجيرة المكانية والهُوية الثقافية، ولا تستطيع أن تحدد أيًّا من هؤلاء السكان الأصليون وأيهم غريب، كما راقب جوناثان روثرفورد. تشجِّع قوى السوق بضراوة هجرة الاقتصاديين، وخلافًا لما تذيعه الحكومات في مؤتمراتها الرسمية من العمل على الحدِّ من الهجرات الجماعية وتقليل حقوق اللجوء السياسي، أكَّدت الدراسة التي قامت بها عالمة الاجتماع ساسكيا ساسن أن كلًّا من القوى الحكومية المحلية وغير الحكومية تعمل على تكثيف الهجرة، الأمر الذي يحفِّز نشاط المنظمات الإجرامية التي تعمل في التجارة النشطة، وقد تجاوزت أرباحها من عمليات الهجرة غير الشرعية ثلاثة مليار دولار سنويًّا، في ظل صمت مريب من الحكومات، وسنَّت أمريكا واليابان قوانين تسمح باستيراد العمالة الأجنبية التي تعمل أكثر وتأخذ أقل! النتيجة النهائية من ذلك، هي النمو العالمي للشتات العرقي، ومن ثم يجد حماة القانون الطريق ممهَّدة لمبدأ "فرق تسد" مع الترويج لدعوات التعايش السلمي وحقوق الاختلاف والتعددية الثقافية ونهاية الحروب المدمرة، بينما تُزال كل العراقيل أمام القوى العولمية لتسريح العمال وهروب جديد لرأس المال دون مقاومة مُحتملة من تلك العرقيات المتنافرة.