الفن السائل تغيَّرت أوضاع الفن والمبدعين خلال العقود القليلة الفائتة نتيجة لتغير ثلاثة أشياء: المديرين للفن، والوسائل المستخدمة، وقيمة النفع العائدة، وتقول حنة أرندت: إنَّ الاستهلاك الفوري ليس غاية الأعمال الثقافية ولا معيار لقيمتها، وإنَّ معنى الجمال يتجاوز التفسير العقلاني والسببي، والحاجة التي يشبعها الفن لا بدَّ أن تخرج من رحم الفن نفسه لا من خارجه، وما أكثر ما يتمرَّد المبدعون على استغلال أهل الإدارة نفوذهم لوضع معايير للموضوعات الثقافية غريبة عن تلقائية الفن واستقلاليته. وأهل الإدارة -كعادتهم- يهدمون بمعاولهم الجامدة أسس الإبداع الفني ويقصقصون أجنحة الخيال الطائر. إنَّ أفضل وصفٍ لحالة الفن الراهنة هو ما قاله آندي ورهو ساخرًا: "الفنان هو شخص يبدع أشياء لا يحتاجها أحد"، و"الأعمال الفنية الرائجة هي أجمل أنواع الفن".. أمسى أرباب العمل التجاري من يحدِّدون نوعية الأعمال الفنية المطلوبة، وصار أفضل أنواع الفنون ينتجها خبراء التسويق ويتفوَّقون فيها على أهل الرسم والنحت، وبعد أن كانت المؤسسات الرسمية الثقافية تتوسَّط في نقل الثقافة للجمهور، انتقلت الوساطة لوكلاء السوق. الأعمال الفنية اليوم تعتمد على الإشباع الفوري والربح السريع تماشيًا مع طبيعة السوق الاستهلاكية والدورات السريعة لرأس المال، مما يتعارض مع طبيعة الفن وغايته؛ يقول ميلان كونديرا عن رسالة الفن إنها "حمايتنا من النسيان"... تقويم العمل الفني والإبداع الثقافي تتحكَّم فيه إحصاءات المبيعات وأعداد الزبائن وقيمة العوائد والأرباح، وسعر الفنان يتحدَّد بحسب شهرته والمنصَّات الإعلامية التي تقدمه للجمهور لا بحسب الأعمال الفنية نفسها، والمشكلة ليست محصورة في أن الشركات الضخمة هي من تمنح العلامة التجارية لمنتج وتمنعه عن آخر، بل في قدْر الترويج والدعاية الضخمة لذلك المنتج في سائل الإعلام لجذب الجمهور لأنه ينتبه لهذه الأمور، ولتزداد أعداد التذاكر المبيعة لأن هناك طوابير واقفة لشراء المنتج.