كيف تكشف الكذاب؟ لماذا لا يقول الناس الحقيقة وكيف يمكنك أن تكشف كذبهم

Book-Cover

مقدمة

هل تعرف أن في أمريكا يوجد يوم اسمه "يوم قَول الحقيقة"، ويأتي في 7 يوليو من كل سنة؟ في هذا اليوم كل ما عليك فعله هو أن تذهب إلى مكان عام، وتشارك في محادثات مع الناس، تقول فيها الحقيقة فقط دون حتى أن تحاول أن تخفي شيئًا أو تجمّل أي شيء عن نفسك، لأن هذا الفعل يُفترض أن يشجع الناس أكثر على أن يدخلوا في علاقات قائمة على الحقيقة فقط، ويعتذروا إن كذبوا، لأن الصدق بالطبع من أهم أسس أي علاقة.

وهل حدث كهذا يحتاج إلى يوم عالمي؟ إذًا لماذا لا نحصل فيه على إجازة؟

صديقي.. أنت لن تحتاج إلى يوم كهذا لتذهب إلى الناس وتعرف ماذا يقولون وتستطيع أن تصطاد من يكذب، لأني اليوم سأخبرك كيف تكشف الكذاب، وسأعرّفك لماذا يكذب الناس أصلًا، وما أنواع الأكاذيب المختلفة والاستراتيجيات التي تساعدنا على أن نصل إلى الحقيقة وننتزعها من الطرف الآخر، حتى لو لم يُرِد أن يصرّح بالصدق، وطبعًا لو كنت أنت الكذاب يا صديقي فقد خيبت أملي، لا.. أنا مصدوم فيك! لكني سأخبرك أيضًا ماذا تفعل حتى لا يكتشف أحد أنك كذبت.. لكن لا تخبر أحدًا!

دعنا نستحضر موضوع الكذب من أوله.. 

لماذا يكذب الناس؟

حسب الكاتب هيرش جولدبرج، فالإنسان العادي يكذب نحو مئتي مرة كل يوم! ربما تكون كذبة بيضاء أو حتى عن طريق أن يتجنب قول حقيقة رآها، أو لا يلاحظ أنه يكذب، وأيًّا كان الرقم -حتى لو كانت كذبة واحدة في اليوم- هذا يجعلنا نسأل سؤالًا جوهريًّا: 

لماذا يكذب الناس أصلًا؟ ماذا يستفيدون؟

سأخبرك يا صديقي..

دوافع الناس إلى الكذب كثيرة، أهم دافع والأول هو المحافظة على الذات، كأن ترتكب مصيبة ولا تقدر على الاعتراف بها، أو تُخفي معلومة إن عُرِفَت فستسبب لك أذًى في عملك أو تفسد علاقتك بأحد، وثاني دافع هو أن تظهر مؤدبًا، وهذه غالبًا ما تكون مجاملات إيجابية غير حقيقية، كأن تقول فتاة لصاحبتها "لقد خسرتِ كثيرًا من وزنك!" مع أن وزنها ثابت، أو أن تجامل مديرك في العمل بمدح قصة شعره الجديدة مع أنها سيئة، تحب أن تجبُر خواطر الناس، أما ثالث دافع إلى الكذب فهو حماية من تحبهم، كأن تتستر على صاحبك الذي لم يحضر الدرس، فعندما يكلمك أبوه ويسألك: "هل حضر ابني الدرس أم لا؟"، تقول له: "يا عمي إنه جالس أمامي الآن، مع السلامة؛ نريد أن نركز على الشرح".

وعلى العكس، يمكن للكراهية أن تكون دافعًا إلى الكذب، ألم تسمع أو ترَ أحدًا يكذب ليضرَّ شخصًا يكرهه؟ "إنه ولد سخيف جدًّا؛ لا مشكلة يستحق ما حدث له"، أين ضميرك يا صديقي؟ وا أسفاه والله! أما آخر دافع إلى الكذب فهو الرغبة في تحقيق المكاسب، وهذا أشهر دافع موجود، كذبة إن قلتها فستنقلك من مكانك إلى مكان أفضل، كذبة صغيرة في السيرة الذاتية لتعمل في وظيفة جيدة، كذبة في دراستك لتحصل على درجات أكثر، أو حتى تكذب على أصحابك ليحبوك أكثر.

ربما يقول لي أحد "يا أخضر.. أحيانا تكون نيتي خيرًا، والغاية تبرر الوسيلة، ولِمَ تسميها كذبة أصلًا؟ أنا فقط أخفيت جزءًا من الحقيقة، هل سألني أحد ولم أتكلم؟".

أنواع الكذب

حسنًا يا صديقي.. سأعرفك أنواع الكذب كلها لأحاول إيقاظ ضميرك إن كنت تكذب:

النوع الأول هو المحو، أي أن تخفي جزءًا من الحقيقة لا تفصح عنه. حتى إن كان جزءًا صغيرًا؟ نعم حتى إن كان جزءًا صغيرًا، وحتى إن لم يسألك أحد عنه بطريقة مباشرة، فمثلًا عندما تسألك والدتك:

"لماذا رجعت وقت الفجر أمس؟"، فتقول لها: "لقد زرت شعبان صديقي، كان مريضًا"، وأنت فعلًا زرته، لكنك لم تخبرها أنك بعدما انتهيت من زيارة شعبان، قابلت صديقك وسهرتما تلعبان الدومينو في المقهى حتى الفجر، بالإضافة إلى أن الأمهات يا صديقي يمتلكن جهاز كشف الكذب، لا تحاول؛ لن تستطيع الإفلات، اعترف مباشرة واحفظ كرامتك أفضل.

وثاني نوع من الكذب هو الاختلاف، أي إن شعبان لم يكن مريضًا أصلًا، بل كان معكما في المقهى يلعب الدومينو، وقتها ستطلب منك والدتك رقم أم شعبان ليعقدا اجتماع مجلس أولياء أمور، أرأيت يا صديقي؟ لقد ثارت عليكم مجموعة الأمهات!

أما النوع الثالث من الكذب فهو التجميل، وهنا تحاول أن تحسّن صورة الكذبة قليلًا، كأن تدافع عن صاحبك أمام أهلك لتحسّن من صورته، مع أنه سبب مشكلاتك.

آخر نوع من الكذب هو تغيير الحقيقة، وهو أسوأ نوع، فمثلًا إن سُئِلتَ عن درجة امتحان اللغة العربية فستقول 90 من 100، مع أنك حصلت على 65 درجة أصلًا والمدرس طردك من الحصة وأخبرك بألا تحضر مرة أخرى، أو يسألك أحد لماذا تركت عملك القديم، فتقول له إن إمكانياتك لا تقدَّر هناك، وإنك تسبقهم بعشر سنين، والحقيقة أن نقطة التحول في تاريخ الشركة هي رحيلك، بعدها بدأت في النجاح.

حسنًا هكذا عرفنا دوافع الكذب وأنواعه، الآن كيف أكشف الكذابين؟

بناء الحالة العادية

أول استراتيجية يا صديقي هي بناء الحالة العادية للشخص، أي تعرف كيف يتصرف في الحالات الطبيعية، وكيف يتكلم ويستخدم لغة الجسد، لتلاحظ إن حدث له تغيير، لأن الكذب يضغط على أعصابنا ويسبب التوتر، ومن ثم يصدر رد فعل من أجسامنا في صورة حركات. لكن كيف نعرف الحركات التي تدل على الضغط والتوتر؟ ركز معي يا صديقي، قلت لك إن اختلفت تصرفاته وحركاته عن نموذجه العادي، فمثلًا عندما تسأله سؤالًا فيجيب إجابة تشك فيها، ثم تقف ذبابة على وجه فيبعدها، لا تقل له "انتظر.. لغة جسدك كشفتك يا أستاذ!".

لأن لغة الجسد غير ثابتة عند الناس كلهم، صديقي مثلًا مبتسم طوال الوقت، فعندما يسأله شخص لا يعرفه عن شيء، يظن أنه يكذب، وصديق آخر لا يستطيع أن ينظر في عينَي من يكلمه، وهذه العلامة أيضًا أحيانًا تُفسر دلالات جسدية على الكذب، لكن إن كانت هذه نماذجهم العادية، فهم صادقون، ومن ثم نبحث عن الاختلافات.

صديقي.. أنت لم تسألني عن طريقة معرفة الحالة الطبيعية!

ركز معي، ستجرب هذه الطريقة مع أي شخص لتبني حالته العادية، لدينا أربع خطوات:

أول خطوة: اسأل أسئلة تعرف إجاباتها. وثاني خطوة: بالطبع ستحصل على الإجابات التي غالبًا ستكون مطابقة لإجاباتك. ثالث خطوة: اسأل أسئلة تحتاج إلى إجابات انفعالية، لتضغط على صاحبك وتوتره، ثم لاحظ هذه الانفعالات سواء في حركة الجسم أم تعبيرات الوجه أم حتى نبرة الصوت، وسجلها عندك، وهكذا أصبحت لديك الحالة العادية بالانفعالات، التي كلما ظهرت أو زادت، زادت احتمالية الكذب.

حسنًا.. لكن يوجد كثير من الكذابين يصعب أن نكشفهم بسبب قدرتهم العالية على التواصل والكلام، فيستطيعون أن يهربوا منك، ما الحل مع هؤلاء؟

انتزاع المعلومات من المراوغ

هنا ننتقل إلى ثاني استراتيجية وهي انتزاع المعلومات، إن كنت تتحدث مع مراوغ وشعرت أنه يخفي عنك جزءًا من الحقيقة، فطبق عليه أي أسلوب من الأساليب الخمسة التي سأخبرك بها، ركز معي:

1- أول أسلوب هو الأسلوب التحفيزي، تعرض شيئًا يرغب فيه هذا الشخص جدًّا، مقابل أن يخبرك بالحقيقة، وهذا ما يفعله المحققون في الأفلام، يخففون الحكم للمجرم ليدلهم على الرأس الأكبر في العصابة.

2- ثاني أسلوب هو الانفعال، وهنا تحاول أن تستخدم الحب أو الكراهية بصفتها دوافع، فتقول له مثلًا "إن لم أعرف الحقيقة، فربما يفوز علينا فلان الذي تكرهه"، أو "أنا -صاحبك- ربما أُعاقَب في عملي".

 3- ثالث أسلوب هو التخويف، أخرِج المحقق الذي بداخلك وهدد الشخص لتخيفه.

4- وإن كان لا يخاف فانتقل إلى الأسلوب الرابع.. العبثية، أشعره أن لا فائدة من أن يخفي عنك الحقيقة، لأنها لن تؤثر في شيء، أو لأنك حتمًا ستعرف.

5- الأسلوب الأخير أحيانًا يأتي بثماره مع الشخصيات التي تنهار بسرعة، وهو أسلوب التكرار والمحاصرة، اسأل عدة أسئلة متتالية بشكل سريع متتابع مكرر، وساعتها سيصبح أمام حلين، إما أن ينهار ويعترف، وإما يملّ ويعترف!

وبالتأكيد سيعتمد اختيارك للأسلوب المناسب على نمط شخصية من أمامك، وطريقة تفكيره وإدراكه للأمور، وهذه مهمتك أنت. 

كيف تسأل الأسئلة الكاشفة للكذب؟

دعنا نتفق أن أهم جزء في أسلوب انتزاع المعلومات هو السؤال، يجب أن تكون قادرًا على أن تسأل السؤال المناسب بالطريقة المناسبة للشخص المناسب في الموقف المناسب، لأن الأسئلة خمسة أنواع رئيسة:

النوع الأول: أسئلة التحكم: وهي أسئلة تعرف إجابتها، وتسألها لتبني النسخة العادية من الشخص، استخدمها في منتصف الحوار لتخفف من الصدام وحتى لا يقلق من تتحدث معه ليكمل الحوار معك.

النوع الثاني: الأسئلة المباشرة: وتكون إجابتها "نعم" أو "لا"، أي يجب أن يعطيك جوابًا لتنطلق منه وتستمر، فمثلًا لو أردت أن تعرف لماذا لم يسجلك صاحبك في كشف حضور المحاضرة، مع أنك أخبرته أنك ما زلت على السرير ولن تستطيع أن تحضر، فعندما تسأله "لمَ لم تسجلني؟" سيتحجج ويماطل، فقل له: "ألم أقل لك سجلني في الحضور؟"، سيقول لك "نعم"، فاتبع هذا السؤال بسؤال ثانٍ.. "هل عدّ الدكتور الحضورَ فخِفت؟"، سيقول لك "لا"، "هل كان معك قلم؟"، سيقول "نعم"، وتظل هكذا حتى تصل إلى السبب الجذري، لا تتركه. 

النوع الثالث: السؤال التكراري: وهذا جميل جدًّا، لأننا بطبيعتنا البشرية نميل إلى تغيير الكلمات والأساليب في طريقة استرجاعنا للمعلومات، فاسأل السؤال نفسه مرة واثنتين وثلاثة لكن بصيغ وطرائق مختلفة، وإن أجاب الشخص الإجابة نفسها بالضبط، فهو غالبًا حفظها ويستظهرها، فيمكن أن يكون كذابًا، أما إن أجاب بأساليب مختلفة وسيفسد علينا هذا الأسلوب، فلا بأس.

النوع الرابع: السؤال القيادي: وهو الذي يجعلنا نتحكم في مسار الحوار، فكلما وجدت أنكما تبتعدان عن الموضوع، اسأله "لكنك لم تخبرني.. ما سبب ما فعلته أمس؟" وهذه هي الطريقة الأشهر للنكد بين المخطوبين والمتزوجين، ويُعرَف بسؤال "قلب الطاولة".

النوع الخامس: السؤال المختلط: وهدفه الضغط على الشخص بأن تخيّره بين شيئين، أو تدمج سؤالين معًا مثل سؤال الأمهات المعتاد "هل سترمي القمامة أم أفصل جهاز الراوتر؟"، شيئان لا علاقة لأحدهما بالآخر، لكنهما يقلبان موازين القوى.

الدفاع الذاتي

في كل ما فات كنت أخبرك بطريقة التعامل مع الكذابين لتكشفهم، لكن ماذا لو كذبت مرة؟ ماذا تفعل حتى لا يكشفك أحد؟ لا تُشعرني بالذنب يا صديقي، أنا سأعرّفك ماذا تفعل إن شعرت أن أحدًا يطبق عليك الاستراتيجيات التي أخبرتك بها ويشك فيك، سأعلمك بعض التكتيكات لتدافع بها عن نفسك، لا لتغطي على كذبك، انتبه!

التكتيك الأول: وصّل رسالة إلى من أمامك مفادها أنك تفهم أساليبه وألاعيبه، واطلب منه ألا يعاملك كأنك كذاب. لم ينفع؟ انتقل إلى التكتيك الثاني.

التكتيك الثاني: أشعره بالذنب، العب على الجانب الإنساني من علاقتكما، قل له "هل هذا معقول يا مدحت؟ بعد كل هذه السنين تشك فيّ أنا؟ بعد كل التضحيات التي بذلتها من أجلك؟ هل نسيت خيري عليك؟"، واستمر على هذا النهج.

التكتيك الثالث: الهجوم، اللفظي طبعًا، لن تشتم يا صديقي، بل ستنتقد طريقة صاحبك وتقلل من ذكائه، وتوصل إليه رسالة بأن محاولاته هذه لا تخدع طفلًا صغيرًا، وأنه لا يوجد سبب لتخاف منه، ولو كان في قلبك شيء لقلته له مباشرة دون أن يسألك، لكن احذر أن يزيد الهجوم على حده الطبيعي وتصبح بينكما خصومة. 

التكتيك الأخير: التجاهل، إن استمر الحوار بطريقة لا تحبها فتجاهل الأسئلة كلها ولا تُجِب عن أي شيء، وحبذا لو مثّلت أنك مُستاء مما يُقال لك. 

هذه تكتيكات ذكرها الكتاب تساعدك على الدفاع عن نفسك في حالة أن شكّ فيك أحد أو حاول أن يطبق عليك استراتيجيات كشف الكذب، وانتبه يا صديقي، يجب أن تقلل علامات التوتر والضغط التي ستظهر عليك.

ولكن دعني أخبرك بشيء بوضوح شديد قبل أن تلجأ إلى استراتيجيات الدفاع، لا تكذب وإن كذب الجميع! 

لا تكذب وإن كذب الجميع!

تذكر كلام الدكتور أحمد خالد توفيق في كتاب "لا مكان للملل"، كان يقول: "هناك أناس تجد لذة فاحشة حقيقية في الكذب، والنقطة الأهم هي أنهم لا يخجلون عند افتضاحهم، هذه من مواهب الكذب المهمة، أن تكون أقوى من الافتضاح وألا ينكسف طبعك".

الكذب يا صديقي -مع الأسف- منتشر بشكل كبير، سواء في بيئة العمل بين زملاء العمل، أو في العلاقات بين الأفراد، ويأخذ أشكالًا كثيرة معقدة صعبة، ويمكن أن يحصل أشخاص على مكاسب كبيرة بسبب كذبة يرونها صغيرة، لكن الكذب سيظل سلوكًا خطأً مهما تعددت التبريرات، وتذكر يا صديقي أن الصدق منجاة، وإن كان كل من حولك يكذبون، كن أنت الصادق ولا تكذب!