كتاب التواصل غير العنيف
ملخص كتاب التواصل غير العنيف (المؤلف: مارشال بي روزنبرج)
حين نُسأل عن العنف وتعريفه أو ما يتبادر إلى أذهاننا هو مصطلحات مثل الضرب والعراك والقتل والحروب والدمار، وكلها أمور لا نقوم بها، وعلى أساسها نعتبر أنفسنا بعيدين جدا عن العنف، ولكن هذا غير صحيح لأن العنف له نوعان: أحدهما هو العنف المادي الذي نعرفه ويتبادر إلى أذهاننا، والثاني هو العنف السلبي، وهو النوع الأخطر، وهو عنف عاطفي من الدرجة الأولى، وفي هذا الكتاب يتناول الكاتب هذا النوع وكيف يمكننا تجنبه؟ وكيف نتعامل معه بشكل إيجابي حين يبدأ الآخرون في ممارسته معنا؟
التواصل غير العنيف
حتى نتخلص من العنف في حياتنا وعلاقاتنا نحتاج إلى تفعيل ما يسمى بـ "نموذج التواصل غير العنيف" وهو شيء يشبه فلتر المياه، له أربع مراحل يقوم بتصفية سلوكياتنا من العنف من خلالها، وهي:
- الملاحظة.
- الشعور.
- الاحتياج.
- الطلب.
الملاحظة
في هذه المرحلة نلاحظ ونراقب ما يحدث في المواقف من حولنا، وعملية الملاحظة لا تعتبر من العمليات السهلة، لأننا غالبا نصيف إليها عملية تقييم وحكم، وحتى نفرق بين الملاحظة المجردة من التقييم والملاحظة بدون تقييم فإننا نحتاج أن نعرف ذلك من خلال بعض الأمثلة:
- الأفعال ذات الدلالة التقييمية: مثلا تقول لشخص: أنت تسوف المذاكرة دائما= هذه ملاحظة ذات دلالة تقييمة. على عكس أن تقول له: أنت دائما ما تذاكر في الليلة السابقة للامتحان= هذه ملاحظة بدون تقييم.
- الإشارة لمسؤولية المتكلم عن التقييم: أن تقول لشخص: أنا أعتقد أنك كريم= أنت هنا تحمله مسؤولية اعتقادك وتقييمك. على عكس أن تقول: أنت كريم جدا= أنت هنا تصف كرمه فقط.
- الخلط بين التكهنات والأمور المحتملة: أن تقول لشخص: لو لم تأكل بشكل جيد ستدمر صحتك= أنت هنا تؤكد دمار صحته. على عكس أن تقول: أخشى أن تدمر صحتك لو لم تأكل جيدا= أنت هنا تتكهن وتتوقع وحسب.
وغيرها من الأمثلة التي توضح لنا كيف نقوم تلقائيا بدمج التقييمات مع الملاحظات بحكم العادة، وهذا مع الأسف يقلل من احتمالية تفهم الطرف الآخر لنا ويضعف عملية التواصل ويجعلها أكثر عنفا.
الشعور
هذه المرحلة لا نجيد التعامل معها على الأغلب لأننا كثيرا ما نخلط بين ما نشعر ب وبين تقييم ما نشعر به، فمثلا عندما تسأل رجلا في العمل ما هو شعورك؟ وتجد الإجابة: "أشعر أنني غير مهم في نظر الذين أعمل معهم." هذا الرجل لا يصف مشاعره الحقيقية وإنما يصف تقييمه للموقف، وكان حريا به أن يقول: أشعر بالحزن والإحباط والأسى.
هناك دائما فرق بين ما نشعر به وبين تقييم ما نشعر به أو أسبابه، وخذ هذا المثال: رجل أعمال فشل في الحصول على صفقة مهمة تراه يعبر عن هذا قائلا: "أشعر بالفشل لعدم الحصول على هذه الصفقة"
هذا الرجل يستخدم لغة الشعور، لكنه لا يصف شعورا حقيقيا بالضرورة، ولو كان يحاول التعبير عن مشاعره الحقيقية كان سيقول: "أنا أشعر بالإحباط أو خيبة الأمل لعدم حصولي على الصفقة" وأما الشعور بالفشل فهو تقييم لشعوره بالإحباط.
الاحتياج
هذه هي المرحلة الثالثة، وهي مرحلة تحمل مسؤولية المشاعر والاعتراف بالدافع الحقيقي وراءها، ومن الممكن أن نقسمها نصفين، نصف عن تحمل المسؤولية، ونصف عن الاعتراف بالدافع الذي وراء هذا الشعور.
لنبدأ بالنصف الأول:
لاحظ مثلا الفرق بين الطريقتين في التعبير عن مشاعر الإحباط وخيبة الأمل:
الجملة الأولى: إلغاء العقد من ناحيتهم أغضبني جدا.
الجملة الثانية: عندما ألغوا العقد شعرت بالغضب لاعتقادي أن تصرفهم هو تصرف غير مسؤول.
في الجملة الأولى أنا أعزو وأنسب شعوري بالغضب إلى سلوك الطرف الآخر وحده.
في حين أن الجملة الثانية تحمل المسؤولية عن شعوري بشكل ما، لأنني تقريبا أقول فيها أن طريقتي في التفكير التي تميل إلى إلقاء اللوم على الآخرين هي التي ولدت عندي شعورا بالغضب، وبالتالي فقد تحملت مسؤولية الشعور.
نأتي إلى النصف الثاني وهو الاعتراف بالدافع:
تفسيراتنا للآخرين، أحكامنا، انتقاداتنا، تشخيصاتنا، كلها أمور تعبر عن احتياجاتنا، لو قال أحدهم مثلا: "أنت لا تفهمني أبدا" هو في الحقيقة يقول أن حاجته للتفهم من الطرف الآخر لا تُلبى. أو لو قالت إحداهن لزوجها: "لقد ظللت تعمل حتى وقت متأخر، أنت تحب عملك أكثر من حبك إياي" هي في الحقيقة تقول له أن حاجتها للحب والقرب لا تلبى.
كل مشاعر نعترف بها وراءها احتياج، وهذا الاحتياج من المفترض أن نظهره لأنفسنا وللطرف الآخر، فمثلا في المثال السابق عندما ألغوا العقد أنا أحسست بالغضب لاعتقادي أن تصرفهم غير مسؤول؛ لأني كنت آمل أن تتاح لنا الفرصة لاعادة توظيف العمال الذين قمنا بالتخلي عنهم في العام الماضي. وبهذا أكون قد تحملت مسؤولية مشاعري واعترفت بالدافع.
ولكن السؤال: هل نفعل ذلك؟ في الحقيقة: لا، بدلا من التعبير عن احتياجنا ودوافعنا فإننا نستخدم التقييمات والتفسيرات والتصورات، وهذا يظهر احتياجاتنا في صورة انتقادات تدفعهم إلى التبرير والدفاع عن أنفسهم ورد الهجوم بهجوم مماثل، لذا من الأفضل أن نتجنب الإشارة لعيوب الآخرين وتقييمهم، وأن نعبر عن احتياجاتنا بشكل مباشر حتى نحصل على نتائج إيجابية من علاقاتنا.
الطلب
قالت الأم لابنها: اذهب لقص شعرك. هذا مجرد أمر يمكن مقابلته بالرفض أو الموافقة، على عكسأم أخرى اتبعت الخطوات الأربع للتواصل غير العنيف فقالت له: أنا ألاحظ أن شعرك طويل نوعا ما، أخشى أن يؤذيك ويعيق رؤيتك وبخاصة أثناء قيادة الدراجة، ما رأيك أن تذهب لقصه؟
الأم الأولى وضعت ابنها أمام خيارين لا ثالث لهما، إما الموافقة والخضوع أو الرفض والتمرد، وفي كلا الحالتين سيشعر الابن كما أن الشخص الذي يوجه له هذا الأمر مصدر إكراه وإجبار، على عكس الأم الثانية التي طلبت من ابنها بعدما أظهرت مشاعرها واحتياجها.
أهم ما يميز الطلب هو الوضوح، لذا من السذاجة أن نعبر عن الضيق وعدم الارتياح ونفترض بشكل خاطيء أن المستمع فهم المطلوب ومن المفترض أن يبادر إلى القيام به، مثلا زوجة طلبت من زوجها شراء بعض الخضراوات ونسي، وعند العودة عبرت له عن ضيقها، وهي في الحقيقة تريده أن يذهب لشراء ما طلبته، بينما يستمع إليها ويتلقى عتابها بشكل سلبي.
في الفقرات السابقة تحدث الكاتب عن كيفية التعامل مع ما نقوله للطرف الآخر، وفي الفقرات التالية يتحدث عن كيفية تلقي كلمات الطرف الآخر:
المحافظة على التعاطف
يعتمد التعاطف على منح الانتباه للآخر، والقدرة على منح الانتباه لشخص آخر تعتبر مسالة صعبة وبالرغم من أن أكثر الناس يظن أنه يمتلك تلك القدرة إلا أنه في الحقيقة لا يمتلكها، لأننا في المواقف المختلفة بدلا من التواجد بشكل كامل نميل اننا نقوم بسلوكيات مثل:
- إعطاء النصح: من الواجب عليك عمل كذا.
- إظهار التفوق: هذا ليس شيئا خطيرا سأخبرك كيف تتعامل معه.
- النبرة التعليمية: أنت تستطيع تحويل هذه التجربة لتجربة إيجابية إذا أردت.
- العطف والشفقة: أنت مسكين فعلا..
- الاستجواب: متى حدث هذا؟
هذه الأساليب من الممكن أن تبدو لك مساعدة، ولكنها في الحقيقة لا تساعد بل على العكس هي تخيب الآمال.
أهم عنصر من عناصر منح الانتباه هو الحضور، أن تركز الانتباه بالكامل على الرسالة التي يحاول الطرف الآخر إيصالها، أن تعطيه الوقت والمساحة التي يحتاجها حتى يعبر عن نفسه بدون تدخل منك، أن تصبر على الآخرين وتترك لهم الفرصة للتعبير عن أنفسهم.
أما حين تنتقل بسرعة من تعبير الطرف الآخر عن المشكلة لتقديم الحلول من طرفك فهذا لن يترجم على أنه اهتمام حقيقي ولكن يترك انطباعا أنك تحاول التخلص منه وتقديم حل للمشكلة.
وكذلك كثيرا ما تكون رسالة المتحدثة المبدئية تخفي وراءها مشاعر أخرى مرتبطة بها ولم يتم التعبير عنها، وحين تصبر وتستمع للنهاية أنت تمنح الطرف الآخر الفرصة لاكتشاف ما بداخله والتعبير عنه بشكل كامل، وأما حين تقاطع هذا بسرعة وتقدم الحلول فأنت تمنع هذا التدفق.
الإصغاء إلى المشاعر والاحتياجات
إحدى الزوجات تتصرف بشكل عن ضيقها من العيش معه.
يرد الزوج الأول: أنت تشعرين بالتعاسة معي؟
يرد الزوج الثاني: أنت تشعرين بالتعاسة لأنك تحتاجين إلى تواجدي بشكل أكبر، أليس كذلك؟
من المهم أن نستمع إلى الاحتياجات والمشاعر التي تختفي وراء كلمات الطرف الآخر، أن نقول لهم ما نراهم يشعرون به، دون أن نتحمل مسؤولية هذا الاحساس، ودون أن نأخذ رسائلهم على محمل شخصي، وفي المثال السابق نجد أن الصيغة الثانية تركز على ما يدور بداخل الزوجة، هي لا توحي أن مشاعرها نتيجة تصرفاته في الحقيقة، وهذا يحمي الحوار من أن ينقلب إلى صراع وهجوم، فمثلا ترى الزوجة ترد عليه: أنت لا تفهمني؟ من المهم أن يحتوي الزوج هذه المشاعر ويعيد صياغتها مرة أخرى: هل تقصدين أنك تشعرين بعدم السعادة لأنني لا أفهمك؟
في هذا المثال يقوم الزوج تقريبا بنفس الخطوات الأربع السابقة ولكن بشكل معكوس -نموذج التواصل غير العنيف- فالزوج هنا يحاول إيضاح المشاعر والاحتياجات حتى يركز عليها، لأنه حين يعيد صياغة مشاعرها بشكل واضح فهذا يشجعها على النظر بداخلها لمشاعر أخرى أعمق، وبالتالي تمضي قدما في استكشاف مشاعرها.
وحين تستطيع استخدام نموذج التواصل غير العنيف يمكنك أن تنعم بعلاقات أكثر هدوءا واستقرارا وأقل حدة.