دور المشاعر في اتخاذ القرار

دور المشاعر في اتخاذ القرار
في عام 1982م عُرض على طبيب الأعصاب “أنطونيو داماسيو | Antonio Damasio” مريض يدعى “إليوت Elliot” يُعاني من عدم القدرة على اتخاذ القرارات الحياتية بعد استئصال ورم صغير من القشرة الدماغية بالقرب من الفص الأمامي لمخه، مما تسبب في انهيار حياته، فقد انفصلت عنه زوجته، وطُرد من وظيفته، وفشلت أعماله التجارية، واحتيل عليه، واضطر للعودة والعيش مع والديه بعد أن بدأ مكتب الضرائب في تتبعه.
هذا التحول المأساوي في حياته كان من المُفترض أن يكون مصحوبًا بمشاعر مختلفة مثل: الحزن، والاكتئاب، والغضب، إلا أن داماسيو لم يلاحظ أيًّا منها بل بدا إليوت خاليًا من المشاعر على نحو غريب، وهذا ما لاحظه عليه أصدقاؤه وعائلته أيضًا بعد إجراء العملية، وللتوصل إلى التشخيص الطبي، وصَّل الطبيب “داماسيو” مريضه “إليوت” بجهاز يقيس نشاط خلايا التعرق في اليدين لملاحظة استجابته الشعورية عند عرض مجموعة من الصور تُحفز حدوث استجابة شعورية فورية، وكانت النتيجة أن إليوت لا يشعر بأي شيء.
لم يتفاجأ الطبيب داماسيو بغياب مشاعر إليوت، رغم أنه اكتشاف رائع صاحبته معرفة مناطق الدماغ المسؤولة عن توليد المشاعر، إلا أن المُفاجأة تكمن في عدم قدرة إليوت على اتخاذ القرارات رغم غياب مشاعره، فقد كان علم الأعصاب وقتها يفترض أن المشاعر الإنسانية غير عقلانية وأن الشخص الذي يخلو من المشاعر ينبغي أن يتخذ قرارات أفضل، ولكن ثبت عكس هذا التصور بعد دراسة مرضى آخرين لديهم نماذج مشابهة للتلف الدماغي لإليوت، ومنذ ذلك الوقت عُدت المشاعر جزءًا جوهريًّا في عملية اتخاذ القرار وليست أمرًا يجب السيطرة عليه ومحاربته كما ذكر في علم النفس السلوكي وفلسفة أفلاطون، وبدأت التساؤلات تدور حول كيفية عمل “المخ العاطفي”
واكتُشِف الجزء المسؤول عن دمج العواطف المتولدة من المخ البدائي بمسار الفكر الواعي وهي “القشرة الجبهية الحجاجية | orbitofrontal cortex” الموجودة خلف العينين مباشرة في البطانة الرخوة للفص الأمامي للمخ، التي يؤدي تلفها نتيجة ورم خبيث أو نزيف في الشرايين إلى فقدان القدرة على الوصول إلى أفكارنا المُعتادة التي تدفعنا لاتخاذ قرار، ونصبح غير قادرين على تحديد ما إذا كان تناول ساندوتش همبرجر بالجبن على الغداء فكرة جيدة أم لا.
إن وجود المشاعر هو ما يُسهل عملية اتخاذ القرارات، فالحياة مليئة بالكثير من الأمور التي علينا الاختيار بينها، ولن نستطيع ذلك من دون المشاعر.
الفكرة من كتاب كيف نقرر: أنظمة عمل المخ وآلية تشكيل السلوك
هل تساءلت يومًا كيف يعمل عقلك في أثناء اتخاذ القرارات عندما تواجه خيارات عديدة يحمل كل منها عواقب مختلفة؟ وعلى أي أساس يميل إلى تفضيل خيار على آخر؟ في هذا الكتاب ننطلق في رحلة لاكتشاف الأسرار الكامنة وراء كيفية تشكيل السلوكيات واتخاذ القرارات، سنتعرف الأنظمة الدماغية المسؤولة عن عملية اتخاذ القرار وكيف يتفاعل بعضها مع بعض، وكيف يمكن لاضطرابات التوازن العصبي أن تؤدي إلى سلوكيات غير متوقعة، مما يوفر لنا فهمًا أعمق عن الآليات التي تحكم تفكيرنا وتصرفاتنا، وتُمكننا من تحسين جودة قراراتنا.
مؤلف كتاب كيف نقرر: أنظمة عمل المخ وآلية تشكيل السلوك
جونا ليرر: كاتب وصحفي علمي أمريكي، وُلد في 25 يونيو 1981م في لوس أنجلوس، وحصل على درجة البكالوريوس في علم الأعصاب من جامعة كولومبيا، كما درس في جامعة أكسفورد ضمن منحة رودس «The Rhodes Scholarship»، وسبقت له الكتابة في عدة مجلات، منها مجلة «The New Yorker» و«Nature»، اشتهر بكتبه ومقالاته التي تتناول موضوعات في العلوم العصبية وعلم النفس.
من مؤلفاته:
Imagine: How Creativity Works
Proust Was a Neuroscientist
Mystery: A Seduction, A Strategy, A Solution
عن المترجمة:
رنا أبو الأنوار.





