كتاب تجارب مع البشر

كتاب تجارب مع البشر

عرض وملخص كتاب تجارب مع البشر

ربورت آبلسون

لماذا يتصرف البشر بطريقة معينة في مواقف معينة؟ لأن هذه هي طبيعتهم.

الطبيعة البشرية كمصطلح يبدو للوهلة الأولى وكأنه شيء داخلي نابع فقط من دواخلنا، لكن هل هذا صحيح؟ 

تفسير هذه السلوكيات 

الثبات


التجربة

هذا الرجل ذهب ليراهن على سباق خيل، الساعة الآن الواحدة والسباق لم يبدأ بعد. الرجل الان يشعر بالتردد حول الحصان الذي يريد أن يراهن عليه، بالنسبة له الأحصنة جميعها متماثلة.

الساعة اصبحت الواحدة وعشر دقائق، والسباق لم يبدأ ولكن صديقنا أصبح أكثر تفاؤلًا في فرص فوز حصان معين!

ما حدث هو تصرف غريب! لأنه لم يتغير شيء خلال هذه العشر دقائق، الشيء الوحيد الذي استجد هنا هو أنه اشترى تذكرة، وراهن على ذاك الحصان تحديدًا؛ هذا هو الذي زاد فرصته في الفوز، طبعًا داخل رأسه فقط. 

المثال الواقعي

 البشر يميلون للتشكيك في البداية، ثم يأخذون قرارًا، وبمجرد أخذهم القرار يتعاملون على أنهم جزء منه. سيكون من الصعب عليهم أن يتخلوا عنه، ويبررونه حتى لو كان قرارًا سيئًا ليشعر المرء بينه وبين نفسه أن تصرفه صحيح.

الرجل في المثال السابق ببساطة أقنع نفسه أن هذا هو الاختيار المناسب لمجرد أنه اختاره، وليس أنه اختاره لأنه هو المناسب!

هذه الآلية موجودة فينا وهي خطرة جدا، يمكنني استخدامها بمنتهى السهولة لأجعلك تتصرف ضد مصلحتك.

الالتزام

إن استطعتُ دفعك للالتزام -الفكرة كلها في الالتزام- بأي طريقة؛ بأن أقدم لك مغريات تجعلك تأخذ القرار المهم بالنسبة لي، فستلتزم بهذا القرار، وإذا سحبتُ مغرياتي تلك فأنت لن تسحب قرارك وستظل تقنع نفسك بتبريرات غير صحيحة كأن تردد في رأسك قراري هو قرار حكيم وأنا الرابح بكل تأكيد وغيرها من التبريرات.

-يظهر الموضوع كأنه تجاري وأنا أتكلم على عروض شركات الهاتف مثلا التي تحتال علينا، لكن هذه الطريقة ليست تجارية فقط، هي منتشرة بشكل كبير والناس كلها تطبقها على بعضها البعض بدون أدنى وعي منهم بالآلية.

مثال شائع

كمثال فتاة أحاول دفعها للزواج بي، فأظهر لها في البداية صفات جيدة ادّعي بأنها عندي، هذه الصفات ستجعلها تقبل بي وبمجرد قبولها، سأسحب تلك الصفات وأظهر حقيقتي، بالمقابل هي لن تسحب قرارها، بل على العكس ستبحث عن مبررات حتى لو كانت غير حقيقية، سترى فيّ صفات إيجابية قد تكون غير موجودة أصلا لمجرد أنها تدعم شعورها بأنها تصرفت بطريقة صحيحة.

هذه الأسباب أو المبررات جعلتها تأخذ القرار بحسب اعتقادها، ولكن الحقيقة هي العكس؛ القرار هو الذي جعلها ترى هذه الأسباب، وبدون الالتزام الذي حدث في البداية لن توجد تلك المبررات أصلا.

هذه الآلية ليست فقط تجعلنا نخسر أو ندخل صفقات سيئة، بل أيضًا تجعلنا نخسر ونفكر أننا رابحين.

البرهان الاجتماعي


المثال

من جاور السعيد يسعد، ومن جاور الحداد ينكوي بناره.

لا تعايرنى ولا أعايرك الهم طايلنى وطايلك

خالتي وخالتك واتفرقوا الخالات.

تخيل أنك لأول مرة تدخل السينما، وعند دخولك وجدت كل الناس يشترون الفشار، فأحببت أن تقلدهم، ولكنك لم تستطع فتح العلبة، ماذا ستفعل؟ ستنظر حولك لكي ترى كيف يفتح الناس هذه العلبة وتفتحها مثلهم، بعد قليل أنهيتها ولكنك لا تعرف أين ترمي العلبة الفارغة، فتنظر حولك ثانية وترى أين يرمي الناس النفايات وترمي مثلهم.

التفسير

من أهم الطرق التي نستخدمها لنحدد ما هو الصحيح هي معرفة ما يعتقده الناس بأنه صحيح؛ هذا يُسمى البرهان الاجتماعي. البرهان الاجتماعي يساعدنا أن لا نفكر كثيرًا وفي نفس الوقت أن لا نرتكب أخطاء، لكن له عيوب؛ أكبر عيب فيه هو: الجهل التعددي.

يوجد مثال نوعا ما متداول بأشكال مختلفة: شخص يقول لي لو نمت في الشارع، أو فقدت وعيك في أي مدينة، الناس ستمر بجوارك ولن تجد أحدًا يساعدك، أما في القرية لو حدث معك نفس الأمر ستجد كل الناس تساعدك، ونستنتج من هذا بأن الناس الذين يسكنون المدن أنانيون وقساة القلب! وأحيانًا يتكرر هذا المثال كمقارنة بين أخلاق الناس في الماضي والحاضر.

الجهل التعددي

هذان المثالان ليسا إثبات أنانية، بل أمثلة على الجهل التعددي الذي كنا نتكلم عنه، كل شخص يمشي في الشارع في المدينة وشاهدك في ذاك الموقف لن يفهم ماذا حدث، هل أنت نائم، فاقد الوعي، سكران، أم ماذا! المهم أنه سيبحث عن أدلة في وجوه الناس حوله وطريقة تصرفهم ليفهم ما الذي يحدث، هل الأمر خطير أم لا، لكن بقية الناس ايضًا ينظرون إليه والى أناس أخرين ويحاولون البحث عن أدلة، ولأنهم غرباء عن بعضهم البعض فتجدهم يحاولون تصنع عدم الارتباك والهدوء، وعدم ارتباكهم هذا يجعلهم يظهرون لبعضهم البعض على أنهم يعرفون ما يحدث ولا توجد مشكلة، هذا الشخص نائم بمحض إرادته، فبالتالي لن يحاول أحد التدخل.

عملية الجهل التعددي لكي تتم؛ تحتاج لشرطين:

  • عدد كبير من الناس،
  • وأن يكون هؤلاء الناس لا يعرف بعضهم البعض،

هذان الشرطان متوفران في المدينة وليس في القرية التي يعرف أهلها بعضهم البعض، فلن يحاولوا تصنع عدم الارتباك في هذه المواقف ولا أن يداروا مشاعرهم عن بعض البعض، عندما يحدث موقف طارئ سيرسلون إشارات لبعضهم البعض على أنه طارئ وسيتدخلون جميعهم.

توجيه الناس

هذا المبدأ يتم استغلاله للسيطرة على الناس في الثورات مثلا أو الحشود بصورة عامة، لا أحتاج لإقناع كل الناس أن تتحرك في اتجاه معين أو أن تنفعل انفعالًا معينًا، بل سأدخل مجموعات صغيرة وسطهم بانفعالات محددة؛ وبذلك أنقل للحشود تلك الانفعالات. لو حركت مجموعاتي تلك في اتجاه محدد فسيحركون لي القطيع بأكمله طالما أن الناس في هذا التجمع فيهم الشرطين: عددهم كبير ولا يعرف بعضهم بعضا.

هذه الطريقة يمكنني استخدامها أيضًا في الحفلات؛ كأن أستأجر أشخاصًا وسط الجمهور لكي تصفق لي أثناء كلامي؛ هذا سيجعل بقية الناس يشعرون بأن ما يُقال يستحق التصفيق، ولماذا نذهب بعيدًا المسلسلات الكوميدية التي يكون فيها ضحك في الخلفية ما هي الا تطبيق لنفس الآلية ايضًا.

الترافق


قديمًا كان الملك الذي يرسل حملة عسكرية؛ يتراسل معها باستمرار بأن يستقبل رسلًا تحمل له آخر الأخبار، وكان كل رسول منهم يتمنى أن يكون محظوظًا بنقل أخبار النصر، لأنه لو نقل أخبار الانتصار فسيعامله الملك كبطل ويعطيه كل ما يريد، لكن لو نقل أخبارًا سيئة فعلى الأغلب سيقتله الملك بدون تردد.

الارتباط أو الترافق عند البشر غريب نوعًا ما، نحن نميل لكره الشخص الذي ينقل لنا أخبارًا سيئة ونحب الشخص الذي ينقل لنا أخبارًا جيدة حتى لو لم يكن هو المسبب لها، مجرد الارتباط وحده كافٍ لتوليد هذه المشاعر، ونحن نطبق هذا المبدأ في حياتنا حتى بدون أن ننتبه.

إذا قلت لك انقل رسالة لهذا الشخص بأن يأتيني لأن لدي أخبارًا رائعة له، فستتصل به وتقول له يوجد أخبارًا رائعة لك عند محمد، اذهب له لتعرفها،

دعني أغيّر الرسالة التي ستنقلها، قل له مثلا يأتيني لأنه توجد مصيبة كبيرة جدا وقعت عليه، أريد تبليغها له، فتتصل به تقول له اذهب لمحمد يريدك في شيء مهم.

لاحظ أول مرة قلت الخبر الجيد، لكن المرة الثانية لم تقل الخبر السيء. 

البشر يريدون أن يكونوا محبوبين ومقبولين عند الناس، حسنًا كيف يفعلون ذلك؟ بأن يربطوا أنفسهم بالأخبار الجيدة ويبعدوا أنفسهم عن الأخبار السيئة، كما فعلت أنت عندما طلبت منك نقل الرسالة، طبقت مبدأ الترافق والارتباط بدون أن تشعر.

التفسير

لو نظرت حولك ستجد الترافق موجود في كل مكان؛ في الإعلانات -مثلا- هل تستطيع أن تفسر لي ما علاقة الفتيات الجميلات بالسيارات في الاعلانات؟ لا يوجد بينهم أي علاقة. مجرد تطبيق واضح لعملية الترافق يستغلها التاجر،

والموضوع ليس محصورًا على التطبيقات الواضحة التي نلاحظها، لكن هناك طرقًا أخرى خفية وذكية أكثر كطريقة الغداء التي تستخدمها الجمعيات الخيرية والحملات السياسية في الخارج مثلا:

أريد أن أطلب منك طلبًا؛ فأطعمك أولاً ثم أقولها لك إما وأنت تأكل أو بعد أن تُنهي طعامك مباشرةً؛ هذا سيجعلك تربط بين الشعور بالرضا الذي تشعر به بسبب الطعام وبين طلبي؛ فتميل أكثر أن تكون إيجابيًا معه. عملية ترافق بسيطة جدًا!

مشجعي كرة القدم

هذه الآلية تفسر لنا أيضًا التصرفات الغريبة التي قد نراها بعد مباريات كرة القدم، لماذا يخرج أناس عاقلون يصرخون في الشارع من الحماس من أجل فريقهم! هذا تصرف غريب لو تعاملنا مع كرة القدم على أنها مجرد لعبة الهدف منها تسلية الناس بالمهارة التي فيها.

كرة القدم يتم استخدامها لإثبات التفوق، ليس تفوق الفريق ولا اللاعبين، بل إثبات تفوقنا نحن بمبدأ الترابط، نحن نشجعه ومرتبطين به؛ هو نجح هذا يعني بأننا ناجحون.

لاحظ بعد أي مباراة مهمة؛ لو الكاميرا التقطت مشجعين؛ تجدهم يقولون نحن الأبطال، كسبنا التحدي، نحن رقم واحد، لاحظ الضمير (نحن) وليس (هم) ولا حتى فريقنا. طبعا للوهلة الأولى قد تتعجب، كيف رقم واحد يا سيدي، الفريق هو الذي نجح، كيف تحسب نفسك بطلًا معهم!

دعونا نعود لمثال الملك لنفهم الترافق كيف يتم:

هل كان لابد للرسول أن يسبب الخير ليحصل على المجد؟ لا، يكفيه أن ينقل الأخبار الجيدة، أن يربط نفسه فقط بالخير، يعني لا يجب أن يسببه ليحصل على التقدير.

الترافق يحدث بدون اشتراط أن تكون أنت المسبب، المهم أن تربط نفسك به، وهذا ما يفعله مهووسي الكرة.

هذا الأمر يزيد كلما كانت صورتنا عن أنفسنا سيئة، وذلك لننقذ هذه الصورة ونرد الاعتبار لأنفسنا؛ فإننا نتلاعب بالروابط التي تربطنا بالناجحين سواء كرة قدم أو خلافه.

الأم الوالدة على المسرح

تلك طريقة، هناك طريقة أخرى؛ بدلًا من أن أربط نفسي مع شيء ناجح، سأضخم نجاح الآخرين الذي أرتبط به أو ما يسمونه “الأم الوالدة على المسرح” هي كمصطلح ظهر كبداية لوصف الأم المهووسة بضمان نجومية طفلها على مسرح المدرسة، لكنك بالتأكيد رأيته بصور مختلفة. أناس تضخم إنجازات القريبين منهم ليشعروا أنفسهم بالفخر.

Experiments with People: Revelations from Social Psychology book summary / review

Robert P. Abelson, Aiden Gregg and Kurt P. Frey